Archive for July, 2009
إلى داخل الصندوق .. يا ابنتي!
هذه السماء الممتدة هي حدود عالمي .. وهذه النجوم اللامعة هي ما سأحقق من أحلامي ……
لا زلت في الثانية عشرة من عمري … إن حسبت بشروق الشمس وغروبها أيامي …
تراب "حوش" منزلنا رطب … مبلل ببعض مطر هطل …
ملمسه في يدي يدب في دمي الحماسة .. أريد أن أجمعه … أن أبني به "النجوم" …
رائحته العطرة تناديني .. "هيا تعالي … هيا تعالي …"
أنا سعيدة…!
ابتسامتي كالنجمات … لامعة …
والفخر والفرح في قلبي تزيد طاقاته … فلو شق صدري وخرج للناس ضوءه … ظنوا "الشمس" باتت الليلة في جوفي!
صوت المفتاح يعبث بقفل الباب …
والدي عاد ….!
قفزت من مكاني .. أسرعت إليه .. "أبشره!"
"والدي .. نجحت … نجحت!"
"أهلا يابنية … تمهلي .. ماذا تقولين؟؟"
"أنهيت الصف السادس! … أنهيته بتفوق … تقول معلمتي أني الأفضل .. وأن مستقبلي سيكون مبهر … وأنها لم تدرِّس قبلي من هي بذكائي واجتهادي! .. نجحت في المدرسة ياوالدي!"
قلّ ابتسامه … ما بقي منها سوى أثر .. الأمر لا يهمه … بلى .. يهمه كفاية ليساير فرحي بكلماته "ماشاء الله .. مبارك يا ابنتي" …
تربيته بسيطة على كتفي ..
ثم … همّ يكمل طريقه إلى داخل المنزل …
"لحظة والدي.."
"نعم يابنية؟"
"تقول المعلمة لابد أن تحضر إلى المدرسة لتأخذ ملفي .. وتقدمه للمدرسة المتوسطة …" … سكتُ .. ثم … أضفت محاولة أخيرة لإثارة حماسه "تقول أنها تكره وداعي .. لكني كبرت على هذه المدرسة!"
أنجحت محاولتي؟؟
هاهو يبتسم!
لحظة … لا!
ليست ابتسامة فخر .. ولا حتى مجاملة ..
هي ابتسامة …. ساخرة!
لطيفة … مراعية قدر الإمكان .. لكنها "ساخرة!"
"المتوسطة؟؟ … ألم تتعلمي كفاية؟؟"
""لا زال هناك الكثير لأتعلمه .. أحمد تعلم الكثير في المتوسطة .. أشياء لا أعرف عنها شيئاً!!!"
"أحمد ولد يافاطمة!"
عفواً؟؟
لم أفهم؟؟
أين الجواب فيما قلته؟؟
"هناك متوسطة للبنات أيضاً ياوالدي!"
"البنات لايحتجن لتعلم كل هذه الأمور! … تعلمتي القراءة والكتابة صحيح؟؟"
"أ…."
وماذا أقول؟؟
"يكفي "مناقشة" .. لهذا لا يجب أن تتعلم البنت أكثر من القراءة والكتابة ..! كوني ابنة صالحة وادخلي المطبخ لمساعدة أمك وأخواتك .. هيا يا فاطمة..!"
شعرت بالنجوم العالية … تتساقط!
والسماء اللامحدودة … تزداد ضيقاً حتى خنقتني!
وريحاً عدوة تقودها كلمات أبي … لتحمل الطين .. وتنثره بعيداً عني .. وتجردني مما سأبني به "نجومي" ..!
مشيت بخطوات مهزومة إلى الداخل … والدموع ترطب وجنتي ..
مشيت إلى داخل الصندوق .. لأسجن داخله .. "ضمانة" للحفاظ علي … حتى أُسلّمَ للغريب مختومة وموثّقة "بجهلي" .. دليلاً على طهارتي وصلاحي!
هزت الريح جدائلي … فجلبتها إلى ناظري … شعرت حين رأيتها أني "لا أكره والدي .. ولا مجتمعي.. لكني أكرهها … هي قيدي … هي رمز من رموز أنوثتي …!"
حدود آمنة
صحراء ريحها عاتية .. عاصفة … رمالها متحركة … شمسها حارقة .. جوها قاسي ….
لا أمان … لا هدوء … لا راحة ….!
دوائر على الأرض مرسومة …
دائرة كبيرة متسعة … داخلها دوائر أقل اتساعاً …
منتصفها .. مركزها .. أشد الدوائر ضيقاً …
شخصٌ ما يجول مضطرباً داخلها … عيناه دامعة محمرة … أنفاسه لاهثة … خطواته متلاحقة … يصل إلى حد الدائرة فيمتنع ويعود …
يدور في حدود الدائرة الضيقة ولا يتجاوزها …
سألته “ياهذا .. الأرض واسعة … أخرج من الدائرة!”
التفت بحدة .. وأجاب غير مدققِ في السؤال ولا الإجابة .. “ليس بعد!”
“مايمنعك؟”
“أنا هنا مختاراً”
“وما هذه الدائرة؟”
“وما هذه الدائرة؟”
لا إجابة!
ازدادت الريح عصفاً …فارتفع بصره يفحص السماء … ثم عاد ينظر إلى رسم الدائرة .. ظننتها سجنه! … وها أنا أراه ينظر إليها كأنما هي حصنٌ منيع يحميه وينقذه!
“أبمأمنٍ إنت فيها؟”
هزّ رأسه موافقة …
اقتربت من دائرته … وفي طريقي .. خطوت على “أثر دائرة” …أثرٌ ربما الريح حركت الرمال فأزالته …
سألته “كانت هنا دائرة؟”
أجاب “مُحيّت”
“ماكان في الدائرة؟”
“الأقربون إلى نفسي”
“وما محاها؟”
“لم تصمد أمام ريحٍ عصفت!”
“أعد رسمها!”
“لمَ؟ … لتمحى؟”
ألجمني جوابه!
أشرت إلى أثر الدائرة ثم إلى الدائرة التي تحتويه .. وسألته مستنتجة “هي للأقربون إلى نفسك .. وهذه نفسك؟”
“هذه مطلق ثقتي ومأمني .. هذه نفسي .. هذه مساحة لي داخلي”
“نفسك؟”
لا إجابة …
توقفت عن سؤاله … وبقيت أراقبه …
جال مضطرباً في الدائرة … بدى ضعيفاً منهكاً … حتى قل اضطرابه .. وهدأت خطواته .. وتناغمت أنفاسه … وجف دمع عينه …
خف انحناء ظهره .. ارتفع رأسه .. تركزت نظرته ..
ماعاد تائهاً … أصبح موجوداً حيث كانت وجهته…
ماعاد ضعيفاً … استعاد قوته …
تمكن أخيراً من الجلوس!
جلس مركزاً نظره على الرياح العاصفة .. يدرسها! .. ويبحث عن الحل لها .. أو ربما … يفهمها .. لكي لا يخافها .. ولا يضطرب لعصفها … يفهمها لا لحلها .. بل ليصمد أمامها!
نهض من مجلسه واثقاً .. متماسكاً … خطواته ثقيلة وموزونة … أصبح عالماً “أين تطأ قدمه!” ..
تعدى بخطواته “دائرة مأمنه” … ما اندكت حصونها .. إنما استعاد الجندي قوته ليخرج منها …
هي خطة للبقاء … وتنسيق لاستعادة القوة … فلولا حكمته في الاحتماء بآمن حصونه … لأهلكه ضعفه في أوسع المساحات .. وأبعدها عن مركزه ….!
فقط … احفظي!
الاثنين / موعد آخر اختباراتي ..
أغلقت كتابي .. حضرت الامتحان .. سلمت الورقة .. ثم … توقفت لحظة!
سألت فيها نفسي .. "كم استفدتي؟"
"مرت سنة كاملة … معظم وقتك فيها مكرس لدراستك … فكم استفدتي؟؟"
تمنيت لو استطعت الإجابة بثقة "استفدت الكثير!"
للأسف … لم تكن هذه إجابتي .. حتى بعد التردد …!
….
صور مختلفة … ملتقطة ومحفوظة في ذاكرتي .. تصف حالي في السنة الماضية .. تومض أمام عيناي … و … تمنعني من الإجابة بـ "استفدت الكثير!"
تذكرت المحاضرات المملة الملقاة على مسمعي .. و المعلومات المسرودة على الورق أمامي ..
فأجبت على سؤالي بـ "كثيرٌ ما حفظته … قليلٌ جداً ما تعلمته!"
أردت التراجع عن جوابي … فاسترجعت ذكريات المعامل … التجارب والمعلومات .. "التطبيق العملي" …
للأسف … رأيت صورة التطبيق الواهي على جهاز قياس الضغط .. (مرة واحدة فقط!!) .. كيف يفترض أن نتعلم منها!!
رأيت صورة الطبيبة أمامنا تطبق على جهاز قياس التنفس … (لم ألمس الجهاز حتى!!)
فأصبح جوابي "كثيرٌ ماحفظته .. قليلٌ جداً ما تعلمته .. والأقل … ما استفدته!!"
….
مهما تكن نتيجتي … ولو أصبت في كل جواب على الورق أجبته … سأظل أعتقد أني في السنة الماضية "حفظت الكثير .. تعلمت القليل .. واستفدت الأقل!" …
أكره أن أحمل فكرة سلبية عن عامٍ كامل من حياتي … لكنها الحقيقة المرة فيما يتعلق بالدراسة … أما النواحي الأخرى فلا تنطبق عليها .. إلا ما تأثر منها بانشغالي ..
أسلوب التلقين لا يناسب ..!
(يارب .. وكلتك أمري … فاختر لي الخير …)
